الموضوع: البيان الحقّ من صاحب علم الكتاب عن أرض المحشر ..

1

البيان الحقّ من صاحب علم الكتاب عن أرض المحشر ..

الإمام ناصر محمد اليمانيّ
4 - جمادى الآخرة - 1430 هـ
28 - 05 - 2009 مـ
12:13 صباحاً
ـــــــــــــــــــــ



البيان الحقّ من صاحب علم الكتاب عن أرض المحشر ..

بسم الله الرحمن الرحيم، وسلامٌ على المرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين..
قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿١٨٥﴾} صدق الله العظيم [آل عمران].

فهذه الآية تتكلم عن يوم القيامة والحساب للذين سيدخلون الجنّة من بعد الحساب فيرزقون فيها بغير حساب، وأمّا في ساحة المحشر فيكونون جميعاً في أرض المحشر أهل النّار وأهل الجنّة ويتمّ إحضار النّار والجنّة في الساحة الكونيّة. تصديقاً لقول الله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ﴿٣٤﴾ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ ﴿٣٥﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴿٣٦﴾} صدق الله العظيم [النازعات].

فيتمّ إحضار الجحيم إلى أرض المحشر؛ والنّار لها سبعةُ أبوابٍ لكُلّ بابٍ منهم جزءٌ مقسوم. وكذلك يتمّ إحضار الجنّة إلى نفس أرض المحشر الكُبرى وهو الكون كُلّه يدكه دكّاً بكافة كواكبه ونجومه، ولم يخلقه الله لعباً ولا عبثاً! فيجعله أرضاً واحدةً مستويةً لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتاً، ويتمّ إحضار النّار والجنّة إليها فتكون الجنّة بموقع غير بعيد من النّار. وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿١٦﴾ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿١٩﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿٢٠﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴿٢٣﴾ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٢٤﴾ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ﴿٢٥﴾ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴿٢٦﴾ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿٢٧﴾ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿٢٨﴾ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿٢٩﴾ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴿٣٠﴾ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿٣١﴾ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴿٣٢﴾ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴿٣٣﴾ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴿٣٤﴾ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴿٣٥﴾} صدق الله العظيم [ق].

وتكون الجنّة في أرض المحشر غير بعيدة من النّار؛ أي على مقربة منها، تصديقاً لقول الله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴿٣٠﴾ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴿٣١﴾} صدق الله العظيم.

غير أنّ الجنّة لا تكون خلف النّار؛ بل على مقربةٍ من بعضهما البعض؛ مُتقابلاتٍ، فالنّار تكون إلى جهة الشمال والجنّة إلى جهة اليمين وجميع المتّقين والكافرين ينظرون إلى الجنّة وإلى النّار وهم في أرض المحشر، ومن بعد الحساب والفصل بالحقّ فمن ثمّ يأتي التفرّق تصديقاً لقول الله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾} صدق الله العظيم [الروم].

والتفرّق من بعد الحساب فيتمّ حشر أهل النّار من أرض المحشر فيُساق أهل النّار إلى صراط النّار. تصديقاً لقول الله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿٢٢﴾ مِن دُونِ اللَّـهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴿٢٣﴾} صدق الله العظيم [الصافات].

ولكن يتمّ تقسيمهم إلى سبع زُمرٍ بعدد أبواب جهنّم السبعة تصديقاً لقول الله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٣﴾ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴿٤٤﴾} صدق الله العظيم [الحجر].

ولذلك يتمّ حشر أهل النّار من أرض المحشر وتقسيمهم إلى سبع زُمرٍ ثمّ يُساقون نحو أبواب جهنّم السبعة لكل بابٍ منهم جزءٌ مقسوم تصديقاً لقول الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} صدق الله العظيم [الزمر:71].

وأما أهل الجنّة فمن بعد الحساب يتمّ تقسيمهم زُمراً بعدد أبواب الجنّة، والتزحزح هو الابتعاد عن النّار من نفس منطقة المحشر فلا يُساقون إلى صراطِ الجحيم؛ بل إلى صراط جنّات النّعيم المُقيم تصديقاً لقول الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿٧٣﴾} صدق الله العظيم [الزمر].

ويحاول أهل النّار الهرب منها صوب الجنّة ويتوسّلون بالمتقين من أهل الجنّة أن ينظروهم ويقتبسوا من نورهم، ولكنّ الملائكة يرجعونهم بالقوّة فيُساقون قهراً إلى نار جهنّم فيستغيثون بالمُتّقين ليقتبسوا من نورهم ذلك لأنّهم لا يزالون مُشركين بربّهم عبادَه المقربين، والنّور من الله، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نورٍ، ولكن من كان في هذه أعمى عن الحقّ فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً، ولأنّهم لا يعرفون الحقّ والحقّ هو ربّهم ولذلك يتوسّلون إلى عباد الله المتّقين ويقولون لهم: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} صدق الله العظيم [الحديد:13].

ثمّ يُضرب بينهم بسورٍ فاصل بين الجنّة والنّار، فباطنه إلى الجنّة والنّار من قِبَلِهِ لأنّ النّار والجنّة قد جعلهما الله يوم القيامة مُتقابلات، النّار شمال والجنّة يمين وسور الأعراف بينهما، ومن ثمّ تُساق طائفةٌ أُخرى من أرض المحشر لم يتمّ حسابهم ولم يسألهم الله عن أيّ شيء ولم يُحاسبهم الله عن أيّ شيء لأنّ لهم حُجّة على ربّهم فجعلهم الله فوق سور الأعراف يتفرّجون على أهل النّار وأهل الجنّة. ولكن من هم تلك الطائفة؟ والجواب الحقّ: هم القوم الذين ماتوا من أهل القرى من قبل مبعث رُسل الله إليهم، فأولئك لهم حُجّة على ربهم تصديقاً لقول الله تعالى: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٦٥﴾} صدق الله العظيم [النساء].

كأمثال عبد الله بن عبد المطلب أبي محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وجميع الذين ماتوا من القرى من قبل مبعث رُسل الله إليهم، فأولئك لا يُعذّبهم الله تصديقاً لقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} صدق الله العظيم [الإسراء:15].

فأولئك هم أصحاب الأعراف فلم يجعلهم الله من أهل الجنّة ولم يجعلهم الله من أهل النّار، وشهدوا كيف أنّ الله حاسب عباده وكيف فصل بينهم بالحقّ وبين أنبيائهم، وسأل الله أنبياءهم هل بلّغتم؟ فأجابوا نعم، وشهد على بلاغهم الذين صدّقوا بشأنهم، وصار لديهم مفهوم قصة الرُّسل وأقوامهم والذين كذّبوا برُسل ربّهم والذين صدّقوا برُسل ربّهم فصار الأمر واضحاً لديهم كاملاً من البداية إلى النهاية عن أقوامهم من بعدهم، ومنهم من يعرف رجالاً من أهل النّار كمثل أبي لهب والوليد ابن المغيرة، فمثلاً أبو النّبي عبد الله بن عبد المطلب يعرف أبا لهب ويعرف الوليد بن المغيرة وغيرهم من قبل موته، وكذلك جميع أهل الأعراف الذين ماتوا من قبيل مبعث الرُّسل يعرفون النّاس الذين كانوا بجيلهم غير أنّهم ماتوا من قبل بعث رُسل الله إلى القُرى، فبعضهم قبل مبعث رسول ربّه إلى قريته بشهر أو أكثر من ذلك بسنين أو أقل، ولكنّهم قد علموا أنّ هؤلاء المُترفون الذين كانوا يعرفونهم قد بعث الله رُسلاً من بعدهم وكذّبوا برُسل الله الذين أرسلهم الله إليهم من بعد موتهم وبالذّات الذين يموتون من أهل القُرى قُبيل بعث الرسول إليهم فهم حتماً يعرفون المُترفين في جيلهم ووجدوا خبرهم أنّ الله بعث إليهم رسولاً فكذّبوا به وكانوا يعرفون أنّهم أغنياء ولذلك قالوا لهم: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٨﴾} صدق الله العظيم [الأعراف].

ولذلك يُنادونهم من فوق الأعراف لأنّهم يعرفونهم بصورهم في الدنيا.

وقبل التفصيل في شأن أهل الأعراف نعود إلى أصحاب الجنّة والنّار بعد انتهاء الحساب وإقامة الحُجّة بالحقّ فيدخل أهل النّارِ النّارَ ويدخل أهل الجنّةِ الجنّةَ فينادي أصحاب الجنّة أصحاب النّار. وقال الله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّـهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾} صدق الله العظيم [الأعراف].

فمن المؤذن بينهم؟ إنّه عبد الله بن عبد المُطلب ومن معه من أهل الأعراف.

ونعود الآن إلى رجال الأعراف. وقال الله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴿٤٦﴾} صدق الله العظيم [الأعراف]، فهم يعرفون كُفّاراً من أصحاب النّار وكذلك يعرفون رجالاً من أهل الجنّة، فينظر أصحاب الأعراف إلى أصحاب الجنّة فيقولون لأصحاب الجنّة: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ}، ولكنّهم ليسوا في الجنّة؛ بل ينظرون إليها وإلى من فيها من فوق سور الأعراف ويَتمنّوْنَ أن يُدخلهم الله جنّته برحمته. وقال الله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴿٤٦﴾} صدق الله العظيم.

ومن ثمّ ينظرون إلى أصحاب النّار فيخاطبونهم فيقولون لهم: {أَهَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّـهُ بِرَحْمَةٍ} صدق الله العظيم [الأعراف:49]، ويقصدون بهؤلاء؛ أهل الجنّة، فأشاروا إليهم وهم يخاطبون أصحاب النّار وقالوا لهم: يا أصحاب النّار أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَته؟ ومن ثمّ يُجيب الله دعوة أهل الأعراف حين ذكروا رحمته وأهل الأعراف قد دعوا الله من بعد حشرهم على سور الأعراف وقالوا: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾} صدق الله العظيم [الأعراف].

{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٨﴾ أَهَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّـهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٤٩﴾} صدق الله العظيم [الأعراف].

فمن الذي قال لأهل الأعراف: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} صدق الله العظيم؟ إنّه الذي دعوه من بعد حشرهم على الأعراف ونظروا إلى نار جهنّم والكُفّار يصطرخون فيها. وقال الله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾} صدق الله العظيم.

فانظروا إلى جواب الله لدُعائهم حين ذكروا رحمته لأنّهم يمقتون الكُفّار وقالوا لهم: أهؤلاء - ثمّ أشاروا إلى أهل الجنّة - الذين أقسمتم يا أهل النّار لن ينالهم الله برحمته؟ ومن ثمّ تأتي إجابة الله لدعوة أهل الأعراف حين أقرّوا وأيقنوا برحمة الله وقالوا: {أَهَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّـهُ بِرَحْمَةٍ} صدق الله العظيم، وعلى الفور ناداهم الله من وراء الحجاب فأجاب دعوتهم بالحقّ، وقال الله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} صدق الله العظيم.

وذلك لأنّهم يدعون ربّهم فيسألونه برحمته حين ينظرون إلى أهل النّار يصطرخون في نار جهنّم. وقال الله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾} صدق الله العظيم.

فانظروا لإجابة الله لدُعائهم وقال لهم: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} صدق الله العظيم.

ويا أمّة الإسلام، اتّقوا الله واعلموا أنْ ليس لكم من دون الله وليٌ ولا شفيع، وسلوا الله برحمته، ومن ذا الذي هو أرحم بكم من الله حتى تلجأوا إليه من دون الله! أفلا تتّقون؟ أفلا ترون أنّ الله أجاب دعوة أهل الأعراف ووعده الحقّ وهو أرحم الراحمين؟

ويا من ينتظرون لمحمدٍ رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - أن يشفع لهم بين يدي الله ها هو أبوه مع أهل الأعراف ولم يشفع له محمدٌ رسول الله - صلّى الله عليه وآله وسلّم - ولم يرجُ من ولده أن يشفع له بين يدي ربه؛ بل دعا ربّه مع أهل الأعراف وقالوا: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٤٧﴾} صدق الله العظيم، ثمّ أجاب الله دعاء أهل الأعراف وقال لهم: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} صدق الله العظيم.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد .. فأمّا الذين آمنوا منكم حين أذكّرهم بآيات ربّهم وأبيّنها لهم فتزيدهم إيماناً فتلين جلودهم ومن ثمّ تخشع قلوبهم فتدمع أعينهم مما عرفوا من الحقّ، وأمّا العُميان فوالله لو أنذرته بجميع آيات الكتاب وفصّلتها تفصيلاً فإنّه سوف ينبذها جميعاً وراء ظهره مهما كانت واضحةً وبيّنةً في البيان الحقّ، وسبب فتنته أنّهُ يعلم حديثاً أو روايةً مُخالفةً لهذه الآيات المحكمات ويفضّل أن يستمسك بذلك الحديث المخالف ويقول: "إنّ القرآن لا يعلمُ تأويله إلّا الله وكفانا ما وجدنا عليه السلف الصالح، فهل أنت أعلم يا ناصر محمد اليماني أم هم؟". ومن ثمّ أردّ عليه وأقول: ولكنّي أُحاجّك بآياتٍ مُحكماتٍ بيّنات هُنَّ أمُّ الكتاب لا يزيغ عمّا جاء فيهنّ إلّا من في قلبه زيغٌ عن الحقّ، فيتّبع الفتنة الموضوعة من أحاديث وروايات الفتنة التي تأتي مخالفةً لآيات الكتاب المحكمات وحسبه جهنّم ومن اتّبعه وساءت مصيراً.

ولكنّي أقسم بالله لو الآية جاءت مطابقةً للحديث الذي هو مستمسكٌ به لأعجبته واستمسك بها وصرخ بها كبرهان على الحديث، ولكن إذا جاءت مخالفةً للحديث الذي هو مستمسكٌ به فعند ذلك تسوءه ويقول: "لا يعلم تأويلها إلّا الله" برغم أنّها مُحكمة من آيات الكتاب المُحكمات من أُمّ الكتاب وليست من المتشابهات! تالله لا يطلّع على بيان ناصر محمد اليماني عالِمٌ أو جاهلٌ إلّا تبيّن له الحقّ، ولكنّ الكارثة أنّه برغم أنّه تقبّلها عقله إلّا أن كثيراً لا يوقن بآيات ربّه برغم وضوحها الشديد!

ويا قوم يا أصحاب اللسان العربيّ المبين إنّ القرآن عربيّ أرسله الله بلسانٍ عربيٍّ مُبينٍ ليُبيّن لكم ما تتقون، وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} صدق الله العظيم [إبراهيم:4].

وكذلك القرآن العظيم لماذا لا تفهمون مُحكمه؟ فهو ليس بأعجميٍّ؛ بل عربيٌّ مُبينٌ، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴿١٠٣﴾} صدق الله العظيم [النحل].

ولكنّكم جعلتموه أعجميّاً فأعرضتم عنه وقلتم على الله زوراً وبهتاناً أنّه لا يعلم تأويل القرآن إلّا الله، ولم يقل الله ذلك وافتريتم على الله الكذب وأنتم تعلمون أنّه لم يقل ذلك؛ بل قال لكم أنّ مِنهُ آياتٌ مُحكماتٌ واضحاتٌ بيّناتٌ هُنَّ أمُّ الكتاب يعلمهنّ ويفهمهنّ ويعقلهنّ العالِم والجاهل كلّ ذي لسانٍ عربيٍّ مُبينٍ، وتلك أكثر آيات الكتاب بنسبة تسعين في المائة وأُخرى مُتشابهات وهُنّ قليلٌ ليست إلّا تقريباً عشرة في المائة أو أقل من عشرة في المائة فتلك الآيات المُتشابهات لا يعلم بتأويلهنّ إلّا الله وهُنّ قليلٌ، ولكنّكم جعلتم القرآن كُلّه لا يعلمُ تأويله إلّا الله، ولكنّ الإمام المهديّ الحقّ من ربّكم لم يحاجّكم إلّا بالآيات المحكمات الواضحات البيّنات يعلمهنّ ويعقلهنّ كُلّ من تدبّر ما جاء فيهنّ من ربّه لا يزيغ عمّا جاء فيهن إلّا من كان في قلبه زيغٌ عن الحقّ المُبين.

ويا معشر الأنصار كونوا من الموقنين ولا تكونوا من الذين هم بآيات ربّهم لا يوقنون ثمّ لا يوقنون إلّا بعد أن يقع القول عليهم وخروج الدابة، وكذلك قال الله تعالى إنّكم لم تكذّبوا بالذي يحاجّكم بآيات ربّكم ولم تصدّقوا والسبب عدم اليقين بآيات الله التي أحاجّكم بها في الكتاب، وقال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٧٧﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴿٧٨﴾ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٧٩﴾ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴿٨٠﴾ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ ۖ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴿٨٢﴾} صدق الله العظيم [النمل].

وسلامٌ على المرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين..
أخوكم الإمام ناصر محمد اليمانيّ.
_____________
آخر تحديث: 25-02-2021 03:26 PM